إخوان الصفاء

152

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل فكان مما يجري بين الفتى والحكيم أن قال له : أخبرني لم يذمّ الحكماء أمور الدنيا ويزهّدون في نعيمها وهي دارهم التي نشأوا فيها ، ومسكن آبائهم الذين ربّوهم ؟ فأجاب : لأنها تصغر في أعينهم إذا شاهدوا أمر ملكوت السماء ، ويستقلّون نعيمها في جنب ما يعرفون من نعيم أهل الآخرة ، كما صغر حال ذلك المسكين في أعين الملك ووزيره . قال الفتى : كيف كان ذلك ؟ قال الحكيم : ذكروا أنه كان ملك من ملوك الهند ، عظيم الشأن ، عزيز السلطان ، واسع المملكة ، حسن التدبير والسياسة ، عادل السيرة في الرعية ، صادق الحجة في الحكومة ، بصيرا بأمور الدنيا ، راغبا فيها ، متمنّيا للخلود ، ولم يكن يعرف أمر الآخرة ولا المبدأ ولا المعاد ولا البعث ولا القيامة ، ولا الوحي ولا النبوة . وكان مع ذلك يعبد الأصنام تقليدا : يقرّب لها القربان ، ويعظّم شأنها ، ويحسن إلى أهلها على عادة جارية قد اعتادها من الحداثة والصّبا من غير فكر ورويّة في شأنها . وكان له وزير خيّر عارف بصير قد عرف ملكوت السماء ونبأ الملإ الأعلى ، وأمر المعاد والمبدإ ، وكيفيّة الوحي للأنبياء ، عليهم السلام ، وعلل سنن الديانات ، ومرامي مرموزات النواميس ، وأسباب أحكام الشرائع ، وما الغرض الأقصى منها ، وما حقيقة معانيها وخفيّات أسرارها ، ودقائق إشاراتها ، وما قصد واضعيها ، وما النفع العاجل منها ، وما المطلب والمغزى في الأصل منها . فكان كلما رأى ذلك الوزير الملك يسجد لتلك الأصنام ويستلمها ويعظّم شأنها من غير معرفة بحقيقة أمرها ولا بصيرة لشأنها وما المغزى من ذلك ، امتعض قلبه ألما عليه لغفلته وسهوه فيما يفعله تقليدا ويعمله جهالة ، وكان يرثي له سرّا وجهرا ، رحمة وشفقة عليه لطول الصحبة معه وحسن المعاشرة له ،